ابراهيم بن عمر البقاعي
52
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أي الذي توقد به النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أي ألين الأشياء وأصلبها ، فما بين ذلك هو لها وقود بطريق الأولى . ولما وصفها بغاية الأدب في الائتمار أتبعه وصف القوام فقال معبرا بأداة الاستعلاء دلالة على تمكنهم من التصرف فيها : عَلَيْها مَلائِكَةٌ أي يكون أمرها على سبيل الاستعلاء فلا تعصيهم شيئا لتأديب اللّه لها غِلاظٌ أي في الأبدان والقلوب فظاظة على أهلها لاستحقاقهم لذلك بعصيانهم الملك الأعلى . ولما كان الغلظ قد يكون مع الرخاوة قال : شِدادٌ أي في كل شيء يحاولونه بالقول والفعل حتى روي أن الواحد منهم يلقي بالدفعة الواحدة في النار من الكفار سبعين ألفا . ولما كان المعنى أنهم يوقعون غلظتهم وشدتهم بأهل المعاصي على مقادير استحقاقهم . بين ذلك بما يخلع القلوب لكونه بأمر اللّه تعالى فقال : لا يَعْصُونَ اللَّهَ أي الملك الأعلى في وقت من الأوقات ما أَمَرَهُمْ أي أوقع الأمر لهم به في زمن ما . ولما كان المطيع منا قد يخل ببعض المأمور به في ذاته بنقص ركن أو شرط أو وقت لنسيان ، أو نوم ونحوه أو بترك مندوب ونحوه أو ما في معناه بوسوسة أو حديث نفس ونحوه يقصر عن إيقاعه على أعلى الدرجات كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخرجه ابن ماجة عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما والطيالسي عن ثوبان رضي اللّه عنه : « استقيموا ولن تحصوا » « 1 » قال نافيا لذلك عنهم : وَيَفْعَلُونَ أي مجددين مع كل أمر على سبيل الاستمرار ما يُؤْمَرُونَ * أي ما يقع لهم الأمر به في أي وقت كان من غير نقص ما ، وبني الفعل لما لم يسم فاعله كناية عن سهولة انقيادهم وإشارة إلى أن الذي أمرهم معلوم أنه اللّه سبحانه وتعالى .
--> ( 1 ) حديث عبد اللّه بن عمرو أخرجه ابن ماجة 278 وقال البوصيري في الزوائد : إسناده ضعيف لأجل ليث بن أبي سليم ا ه . - وحديث ثوبان أخرجه ابن ماجة 277 والطيالسي 996 والدارمي 1 / 168 والحاكم / 130 والبيهقي 1 / 457 والطبراني في الصغير 2 / 88 وأحمد 5 / 276 و 282 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي مع أن في إسناده انقطاع . - قال البوصيري في الزوائد : رجال إسناده ثقات أثبات ، إلا أن فيه انقطاعا بين سالم وثوبان ، ولكن أخرجه الدارمي وابن حبان في صحيحه من طريق ثوبان متصلا ا ه . رواية ابن حبان التي أشار إليها البوصيري هي في صحيحه برقم 1037 وليس فيها لفظ : « استقيموا ، ولن تحصوا » . وانظر موطأ الإمام مالك 1 / 34 .